محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
غير موضعها . القول في تأويل قوله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ يقول تعالى ذكره : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ العدل وهو الْقِسْطَ . وجعل القسط وهو موحد من نعت الموازين ، وهو جمع لأنه في مذهب عدل ورضا ونظر . وقوله : لِيَوْمِ الْقِيامَةِ يقول : لأهل يوم القيامة ، ومن ورد على الله في ذلك اليوم من خلقه . وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى ذلك إلى " في " كأن معناه عنده : ونضع الموازين القسط في يوم القيامة . وقوله : فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً يقول : فلا يظلم الله نفسا ممن ورد عليه منهم شيئا بأن يعاقبه بذنب لم يعمله أو يبخسه ثواب عمل عمله وطاعة أطاعه بها ؛ ولكن يجازي المحسن بإحسانه ، ولا يعاقب مسيئا إلا بإساءته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ إلى آخر الآية ، وهو كقوله : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ يعني بالوزن : القسط بينهم بالحق في الأعمال الحسنات والسيئات ؛ فمن أحاطت حسناته بسيئاته ثقلت موازينه ، يقول : أذهبت حسناته سيئاته ، ومن أحاطت سيئاته بحسناته فقد خفت موازينه وأمه هاوية ، يقول : أذهبت سيئاته حسناته . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ قال : إنما هو مثل ، كما يجوز الوزن كذلك يجوز الحق . قال الثوري : قال ليث عن مجاهد : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ قال : العدل . وقوله : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها يقول : وإن كان الذي من عمل الحسنات أو عليه من السيئات وزن حبة من خردل أَتَيْنا بِها يقول : جئنا بها فأحضرناها إياه . كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ابن زيد ، في قوله وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها قال : كتبناها وأحصيناها له وعليه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها قال : يؤتي بها وعليك ، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ ، ويجزي بما عمل له من طاعة . وكان مجاهد يقول في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها قال : جازينا بها . حدثنا عمرو بن عبد الحميد ، قال : ثنا سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد أنه كان يقول : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها قال : جازينا بها . وقال : أَتَيْنا بِها فأخرج قوله بها مخرج كناية المؤنث ، وإن كان الذي تقدم ذلك قوله مثقال حبة ، لأنه عني بقوله بها الحبة دون المثقال ، ولو عني به المثقال لقيل " به " . وقد ذكر أن مجاهد ا إنما تأول قوله : أَتَيْنا بِها على ما ذكرنا عنه . . . قال : جازينا بها ، لأنه كان يقرأ ذلك : " آتينا بها " بمد الألف . وقوله : وَكَفى بِنا حاسِبِينَ يقول : وحسب من شهد ذلك الموقف بنا حاسبين ، لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم وما سلف في الدنا من صالح أو سيئ منا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ